المقريزي
68
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
جدّد جامع راشدة مرارا ، وأدركته عامرا تقام فيه الجمعة ويمتلئ بالناس لكثرة من حوله من السكان ، وإنما تعطل من إقامة الجمعة بعد حوادث سنة ست وثمانمائة . وقال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ النسابة : راشدة بطن من لخم ، وهم ولد راشدة بن الحارث بن أدّ بن جديلة من لخم بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدد ، وقيل راشدة بن أدوب ، ويقال لراشدة خالفة ، ولهم خطة بمصر بالجبل المعروف بالرصد ، المطلّ على بركة الحبش ، وقد دثرت الخطة ولم يبق في موضعها إلّا الجامع الحاكميّ المعروف بجامع راشدة . جامع المقس هذا الجامع أنشأه الحاكم بأمر اللّه على شاطىء النيل بالمقس في « 1 » لأنّ المقس كان خطة كبيرة ، وهي بلد قديم من قبل الفتح ، كما تقدّم ذكر ذلك في هذا الكتاب . وقال في الكتاب الذي تضمن وقف الحاكم بأمر اللّه الأماكن بمصر على الجوامع ، كما ذكر في خبر الجامع الأزهر ما نصه : ويكون جميع ما بقي مما تصدّق به على هذه المواضع ، يصرف في جميع ما يحتاج إليه في جامع المقس المذكور ، من عمارته ، ومن تمن الحصر العبدانية والمظفورة ، وثمن العود للبخور ، وغيره على ما شرح من الوظائف في الذي تقدّم ، وكان لهذا الجامع نخل كثير في الدولة الفاطمية ، ويركب الخليفة إلى منظرة كانت بجانبه عند عرض الأسطول فيجلس بها لمشاهدة ذلك كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب عند ذكر المناظر ، وفي سنة سبع وثمانين وخمسمائة انشقت زريبة من هذا الجامع في شهر رمضان لكثرة زيادة ماء النيل ، وخيف على الجامع السقوط فأمر بعمارتها . ولما بنى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب هذا السور الذي على القاهرة ، وأراد أن يوصله بسور مصر من خارج باب البحر إلى الكوم الأحمر ، حيث منشأة المهرانيّ اليوم ، وكان المتولي لعمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسديّ ، أنشأ بجوار جامع المقس برجا كبيرا عرف بقلعة المقس في مكان المنظرة التي كانت للخلفاء ، فلما كان في سنة سبعين وسبعمائة جدّد بناء هذا الجامع الوزير الصاحب شمس الدين عبد اللّه المقسيّ ، وهدم القلعة وجعل مكانها جنينة ، واتهمه الناس بأنه وجد هنالك مالا كثيرا ، وأنه عمر منه الجامع المذكور ، فصار العامّة اليوم يقولون جامع المقسيّ ، ويظنّ من لا علم عنده أن هذا الجامع من إنشائه ، وليس كذلك ، بل إنما جدّده وبيضه ، وقد انحسر ماء النيل عن تجاه هذا الجامع كما ذكر في خبر بولاق والمقس ، وصار هذا الجامع اليوم على حافة الخليج الناصريّ ، وأدركنا ما حوله في غاية العمارة ، وقد تلاشت المساكن التي هناك وبها إلى اليوم بقية يسيرة ، ونظر هذا الجامع اليوم بيد أولاد الوزير المقسيّ ، فإنه جدّده وجعل عليه أوقافا لمدرّس وخطيب وقومة ومؤذنين وغير ذلك .
--> ( 1 ) بياض في الأصل .